محمد عبد الله دراز

76

دستور الأخلاق في القرآن

الميلادي ، تحتفظ دائما بقيمتها ، وهي تدعو دائما كلّ كاتب أن يسير على نهجها . ولسوف يكون لدى قارئنا الواعي فرصة أن يقدر إلى أي مدى يوفي كتابنا - الّذي نقدمه اليوم إليه - بهذه الشّرائط ؛ فلم يكن شروعنا في هذا المؤلّف الجديد عن القرآن ، عبثا نضيع فيه وقتنا ، ونثقل به على قرائنا ، ونزحم به مكتباتنا ، فإذا لم يأت علمنا هذا بشيء جديد في عالم الشّرق أو الغرب ، فلن يكن سوى مضيعة وزحمة وإثقال . 1 - الوضع السّابق للمشكلة : إنّ نظرة سريعة نلقيها على مؤلفات علم الأخلاق العالم - الّتي كتبها علماء غربيون - كافية لنلحظ فيها فراغا هائلا وعميقا ، نشأ عن صمتهم المطلق عن علم الأخلاق القرآني . والواقع أنّ هذه المؤلفات تذكره لنا باختصار ، أو بإفاضة ، المبادئ الأخلاقية ، كما أرتأتها الوثنية الإغريقية ، ثم أديان اليهودية ، والمسيحية . ولكنها حين تنتهي من عرض هذه المراحل الثّلاثة ، نجدها تنقلنا بغتة إلى العصور الحديثة ، في أوروبا ، مغفلة كلّ ما يمس الدّستور الأخلاقي في الإسلام . وبرغم هذا ، فإنّ الإضافة القرآنية في هذا الباب ذات قيمة لا تقدّر ، ولسوف يفيد منها تأريخ النّظريات الأخلاقية سعة ، وعمقا ، وتوافقا ، كما تفيد المشكلة الأخلاقية ذاتها منها ، في حل مصاعبها ، سواء في ذلك المصاعب المتجددة والدّائمة . أليست إذن خسارة ضخمة أن يغفل أمر نظرية كهذه ، وأن يلفها الصّمت ؟ . . . والحقّ أنّه لو أننا - بدلا من أن نبحث في هذه المؤلفات عن علم الأخلاق العام